عبد الكريم الخطيب
849
التفسير القرآنى للقرآن
قوله تعالى : « بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ . . بَلِ افْتَراهُ . . بَلْ هُوَ شاعِرٌ . . فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ » . هو فضح لما تناجى به القوم ، وكان مما جرى به الحديث بينهم . . فقالوا فيما قالوه عن القرآن الكريم : هو « أَضْغاثُ أَحْلامٍ » أي أخلاط أحلام ، وهلوسة نائم ، معتلّ المزاج ، مخبول العقل . . وإذ لم يرتض بعضهم هذا القول ردّوه ، وقالوا : « بَلْ هُوَ شاعِرٌ » أي من واردات الشعر ، ومن نسج أخيلته . . وإذ لم يرض بعضهم هذا القول أو ذاك قالوا : « فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ » أي يدع محاجّته في هذا الكلام الذي يلقيه علينا ، ويقول عنه إنه معجزته التي يقدّمها بين يدي رسالته ، وليأتنا بمعجزة غير كلامية ، فإن مجال الكلام متّسع لكل قائل . . فإن كان رسولا من عند اللّه ، كما يدّعى ، فلم لم يأت بمعجزة نراها ، كناقة صالح ، وعصا موسى ، ويد عيسى ؟ عندئذ يمكن أن يكون له وجه يلقانا به على طريق دعوته ، ويكون لنا نظر فيما يدّعيه . . ! فانظر إلى كلمات اللّه ، وقد أمسكت بالقوم وهم على مسرح الجريمة ، ثم أخذت ما جرى على لسان كل ذي قول قاله في هذا المجلس الآثم . . « قالُوا : أَضْغاثُ أَحْلامٍ . . بَلِ افْتَراهُ . . بَلْ هُوَ شاعِرٌ . . فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ » . لقد ذهب كل فريق منهم بقول من هذه الأقوال . . ! وقد نسبت كل مقولة إليهم جميعا . . إذ كانوا كلهم شركاء فيما قيل . . فالمتكلم والسامع جميعا ، شركاء فيه . قوله تعالى : « ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها . . أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ » .